❗خاص❗ ❗️sadawilaya❗
هناك لحظاتٌ لا تُفتَح لها أبواب الكلام…
لأنها أوسع من اللغة، وأثقل من أن تحملها الجمل.
نقف أمامها صامتين، لا عجزًا… بل لأن الشعور فيها أصدق من أي قول، وأعمق من أن يُختصر.
ذهبت اليوم لأداء واجب عزاء…
حين وطئت قدماي مجلس العزاء، شعرتُ أن الأرض تلامس السماء.
حين دخلت، لم يكن الصمت فراغًا، بل حضورًا كثيفًا، كأن الأرواح تملأ الزوايا، وكأن الزمن يبطئ احترامًا لاسمٍ صار أكبر من الحكاية: سعيد الخنسا.
الوجوه دامعة… لكن خلف الدموع سكينة غريبة، تلك التي تشبه الدعاء حين يخرج من القلب بلا كلمات. لربما بالآهات.
وإذ ترددت في داخلي آية كرجاءٍ واسع:
"ولا تحسبن الذين قُتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يُرزقون"…
رجاءٌ يفتح بابًا لفهمٍ أعمق لما نعجز عن فهمه كبشر.
بدأت تُتلى الفاتحة…
وفي تلك اللحظة، شعرتُ أو تخيّلت أن المكان اتّسع، وأن أصواتًا خفيفة وعميقة ترافقها، كأن الملائكة مصطفّة بنورٍ هادئ، يرتّلون معنا.
وكأن صدى إنسانيًا قديمًا يهمس:
"طوبى لصانعي السلام، لأنهم أبناء الله يُدعون".
لم يكن ذلك تناقضًا، بل انسجام قلوبٍ مختلفة اجتمعت على وجعٍ واحد، وعلى رجاءٍ واحد.
رأيت في داخلي بأن الدعاء كالبخور كان يصعد بلا حدود، بلا أسماء، بلا انقسامات… فقط إنسانية خالصة تودّع، وتتمسّك بالأثر.
ثم كان المشهد الأثقل… والأصدق:
والده… واقفًا كجبلٍ يعرف أن الريح لن تتوقف، لكنه يختار أن يبقى.
في عينيه حزنٌ عميق، لكن في ملامحه كرامة لا تنكسر، صبرٌ صامت يقول إن القلب يتألّم… لكنه لا يسقط.
ووالدته…
كانت شيئًا آخر…
كأنها صلاة تمشي على الأرض.
وجعها لا يُقال، لكنه يُحسّ، تشبه أمنا مريم حين حملت ألمها بصمتٍ مقدّس، لا صراخ فيه، بل تسليماً موجع وعظيم.
في حضورها، شعرتُ أن الأم لا تودّع ابنها… بل تضعه في قلب الله وتعود مكسورةً ومضيئة في آنٍ واحد.
في تلك اللحظة، لم يعد المكان عزاءً فقط…
بل لقاءً بين السماء والأرض،
بين الدموع والنور،
بين الفاتحة و"أبانا الذي"،
بين إنسانٍ رحل… وأثرٍ بقي.
خرجتُ وأنا أشعر أن هناك أشياء لا تُفسَّر، بل تُحسّ:
أن بعض الرحائل ليس غيابًا كاملاً،
وأن بعض الأسماء تبقى أثقل من أن تُنسى.
رحم الله سعيد الخنسا،
وأنزل سكينته على قلب والده الصامد، وعلى والدته التي تختصر معنى الألم النبيل،
وجعل ذكراه نورًا هادئًا في قلوب كل من مرّوا اليوم… وكل من سيقرأ اسمه يومًا.
هنيئاً الشهادة...
طالطوس